القرطبي

212

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية القيامة ، حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن ، فإذا دخلوها أراد أن يروه فيروه وهم في جنة عدن . قال معناه البيهقي وغيره . وليست العظمة والكبرياء من جنس الثياب المحسوسة ، وإنما هي توسعات ، ووجه المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا ملازمين للإنسان مخصوصين به ، ولا يشاركه فيهما غيره ؛ عبّر عن عظمته وكبريائه بهما ، لأنهما مما لا يجوز مشاركة اللّه تعالى فيهما ، ألا ترى آخر الحديث : « فمن نازعني واحدا منهما قصمته ثم قذفته في النار » . * * * 216 باب منه ، وفي سلام اللّه تعالى عليهم روى محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد اللّه ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم ، فإذا الربّ سبحانه قد أشرف عليهم ، فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة ، وذلك قوله تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] قال : فإذا نظروا إليه نسوا نعيم الجنة ، حتى يحتجب عنهم ، فإذا احتجب عنهم بقي نوره وبركته عليهم في ديارهم » « 1 » . فصل قوله : « قد أشرف عليهم » أي : اطّلع ، كما يقال : فلان مشرف عليك ، أي : مطّلع عليك من مكان عال ، واللّه تعالى لا يوصف بالمكان من جهة الحلول والتمكّن ، وإنما يوصف من جهة العلوّ والرفعة ، فعبّر عن اطلاعهم عليهم ونظره إليهم بالإشراف ، ولما كان سبحانه قائلا متكلما وكان الكلام له صفة في ذاته ، لم يزل ولا يزال ، فهو يسلّم عليهم سلاما هو قول منه ، كما قال تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ . وقوله : « فإذا نظروا إليه نسوا نعيم الجنة » أي : لهوا عنه بلذة النظر إلى وجهه الكريم ، وذلك أن ما دون اللّه تعالى لا يقاوم تجليه ، ولولا أن اللّه تعالى يثبّتهم ويبقيهم لحلّ بهم ما حلّ بالجبل حين تجلّى له . وقوله : « حتى يحتجب عنهم » ؛ يجوز أن يكون معناه : حتى يردّهم إلى نعيم الجنة الذي نسوه ، وإلى حظوظ أنفسهم وشهواتها التي سهوا عنها ، فانتفعوا بنعيم

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( 184 ) ، وهو موضوع .